الساعة الآن اليوم آخر تحديث 07:52:00 PM

التقارير

فرنسا السير باتجاه ديكتاتورية الديمقراطية


الخرطوم 14-6-2017م (سونا) رصد ومتابعة / سعيد الطيب
شهدت الساحة السياسية الفرنسية فى يونيو الجارى حراكا متفاعلا عشية الانتخابات التشريعية التى جرت مطلع الاسبوع الماضى والتى اظهرت ان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على وشك السيطرة على ثلاثة أرباع المقاعد في الجمعية الوطنية، وهو إنجاز مدهش سيمكنه من الإطاحة بأي معارضة، وهذا على الرغم من عدم حصولها إلا على نحو 15 %من أصوات الناخبين المسجلين في الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية.
والملحظ الجلى للرائى لهذه المنافسة التشريعية الفرنسية ان الدائرة السادسة عشرة في العاصمة الفرنسية لاتشترك على المستوى السياسي مع الدائرة الحادية عشرة في شرق المدينة. فالأولى بيضاء وغنية، والثانية متنوعة الأعراق والثقافات والفئات الاجتماعية، والمعتاد أن يذهب 80 % من أصوات الأولى لليمين، بينما تميل أصوات الثانية نحو اليسار.
ولكن في الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت الأحد، وضعت الدائرتان مرشحي حركة الرئيس إيمانويل ماكرون (الجمهورية إلى الأمام) في المقدمة بأكثر من 43 % من الأصوات، ما ينبئ بأن أمرا استثنائيا سيحدث او قل انه حدث فعلا في مختلف مناطق فرنسا اذ تمكن مرشحو (الجمهورية إلى الأمام) وكثيرون منهم حديثو العهد في المعترك السياسي، من تحويل المشهد السياسي في البلاد، وأزاحوا من طريقهم مرشحي اليسار واليمين ببساطة شديدة. وتشير التوقعات لاحتمال حصولهم على نحو 430 مقعدا من أصل 577 في الجمعية الوطنية في الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية الأحد المقبل. وهذا دون احتساب الناجين من الحزبين التقليديين الذين أعلنوا عن تأييدهم للرئيس الفرنسي الشاب (39 عاما)، أملا بإيجاد مكان لأنفسهم على سفينة ماكرون هربا من الطوفان.
ويظهر أن الرئيس الفرنسي الجديد، الذي تعهد خلال الحملة الانتخابية بتغيير واسع في "النظام"، على وشك استغلال هذا النظام كما لم يفعل أي قبله. وإذا ما تأكدت نتائج الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية في الدورة الثانية فى الثامن عشر من يونيو الجارى فإن حركته التي لا يزيد عمرها عن 15 شهرا ستستفيد من النظام الانتخابي ذي الدورتين للحصول على إحدى أكبر الأغلبيات البرلمانية التي شهدتها فرنسا في تاريخها، ما يعطي مؤسس الحركة إمكانية احتكار السلطة في البلاد.
بالنسبة للمراقبين الذين فاجأهم المشهد البريطاني ما بعد استفتاء بريكسيت وصدمة وصول دونالد ترامب للرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، تبدو فرنسا كمنارة للاستقرار والإيجابية في العالم. ويعتبر كثيرون إيمانويل ماكرون رئيسا تقدميا واسع الأفق، وباستثناءات قليلة، أبرزها روسيا وإدارة ترامب، كان انتخابه على رأس هرم السلطة الفرنسي موضع ترحيب عالمي، وخاصة بين شركاء باريس الأوروبيين. وكثيرون يتفقون مع هتاف رئيس الوزراء الفرنسي يوم الأحد "لقد عادت فرنسا"، كائنا ما كان معناه.
ولكن عددا من إشارات التحذير ترافق انتصار ماكرون، أولها المعدل الهائل للامتناع عن التصويت الذي مهد الطريق لهذا الانتصار. إذ هبطت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية لما دون 50 بالمئة لأول مرة في تاريخها. ما يعني أن نسبة 32,2 بالمئة من الأصوات التي حصل عليها مرشحو حركة "الجمهورية إلى الأمام" لا تمثل سوى 15,2 بالمئة من إجمالي أصوات الناخبين المسجلين في فرنسا.
وتشير صحيفة "لوموند" واسعة الانتشار في عددها الصادر الاثنين إلى أنه "لم يسبق على مر التاريخ أن حصل حزب سياسي على أغلبية كهذه بعدد أصوات متدن بهذا الشكل". ويطلق هذا الانخفاض التاريخي في معدل التصويت إشارات إنذار بشأن شرعية الرئيس وحركته أثناء استعدادهما لتنفيذ إصلاحات واسعة في البلاد.
ومن أسباب الامتناع عن التصويت في بلد يوصف شعبها غالبا بأنه مسيس جدا، التعب الشديد بعد عام انتخابي حافل تضمن انتخابات تمهيدية لليمين ثم لليسار، تبعتهما دورتا الانتخابات الرئاسية، قبل شهر واحد فقط من الانتخابات التشريعية. وأيضا يرجع هذا إلى النظام الانتخابي الفرنسي الذي يجعل من الانتخابات التشريعية حدثا ثانويا لاحقا للانتخابات الرئاسية شديدة الأهمية. وزاد ماكرون من اختلال التوازن هذا بقيامه بـ"شخصنة" شديدة للسياسة في البلاد.
وربما كان أهم العوامل التي أدت لانصراف الفرنسيين عن التصويت حالة "القرف" والإحباط من الحزبين السياسيين التقليديين اللذين هيمنا على المشهد السياسي في البلاد طيلة عقود. وسيكون إنجازا بالنسبة لحزب "الجمهوريون" المحافظ إذا تمكن من الفوز بمئة مقعد يوم الأحد القادم. أما "الحزب الاشتراكي" الذي قاد البلاد في الحكومة السابقة لوصول ماكرون للرئاسة، فقد تم مسحه بشكل كامل تقريبا من المشهد السياسي. وبقدر ما استفاد ماكرون، الذي كان وزيرا للاقتصاد في حكومة مانويل فالس الاشتراكية في ظل رئاسة فرانسوا هولاند، من انهيار "الحزب الاشتراكي"، كان أيضا من العوامل التي ساعدت على هذا الانهيار.
ولم تتمكن الأحزاب الأخرى التي رغبت بركوب الموجة المناهضة للمؤسسة من إحداث اختراق في الجمعية الوطنية. حزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان التي خسرت الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية أمام ماكرون، فشل في ترجمة حضوره القوي في الرئاسيات إلى مقاعد في البرلمان، إذ تشير التوقعات لحصوله على خمسة مقاعد فقط. كذلك كان الحال بالنسبة لحركة "فرنسا الأبية" من أقصى اليسار، التي كانت تسعى لتصبح القوة الأساسية في اليسار الفرنسي، فركزت هجومها على "الحزب الاشتراكي" المتداعي، لتكون نتيجة هذا الهجوم الجمعية الوطنية تكاد تخلو من نواب اليسار.
والسؤال المنطقى الان هل توزيع المقاعد في الجمعية الوطنية حسب نتائج الدورة الأولى للانتخابات التشريعية الفرنسية أهي سياسة جديدة أم نهاية السياسة؟ ويقول بنجامين دودمان و فؤاد حسن من فرانس برس 24 الفرنسية انه عمليا ربما يشكل اكتساح مرشحي حركة "الجمهورية إلى الأمام"، المستجدين على الساحة السياسية، مشكلة على مستوى ملء مناصب تحتاج للخبرة السياسية، كما هو الحال بالنسبة لرئيس الجمعية الوطنية، وزعيم الأغلبية، واللجان البرلمانية المختلفة. كما أنها قد تعرض حركة ماكرون إلى ردة فعل قاسية إذا ما خاب أمل الناخبين، إذ ما من قوى أخرى في الجمعية الوطنية يمكن أن تشكل هدفا للغضب الشعبي. وما قد يكون أشد ضررا، غياب المعارضة في البرلمان الذي يهدد التوازنات والعملية الرقابية في الديمقراطية الفرنسية، وينذر باختفاء الجدل السياسي من المشهد الفرنسي. وبهذا الشكل سيتحول وعد ماكرون بـ "سياسة جديدة" إلى موت للسياسة.
ولكنه من المحتمل أن تنقسم حركة "الجمهورية إلى الأمام" نفسها إلى أجنحة مماثلة لفروع للنظام الذي حلت محله. وإلا، فكيف يمكن أن تنعكس المطالب السياسية المتناقضة للناخبين في مناطق مختلفة مثل الدائرتين الحادية عشرة والسادسة عشرة من باريس؟ ومن الوارد أيضا أن تنتقل المعركة إلى الشوارع الفرنسية، حيث تستعد النقابات والقوى اليسارية لتحدي إصلاحات ماكرون لقانون العمل. وقد طرح الرئيس الفرنسي فكرة تجاوز البرلمان لإقرار إصلاحاته عبر قانون يقرره المشرعون يسمح له بإصدار مراسيم تنفيذية، وهذا لا يؤشر على ديمقراطية صحيحة.
معدلات التصويت المنخفضة ولا مبالاة الناخبين جاءا مناقضين تماما لما جرى قبل أيام في بريطانيا، إحدى الديمقراطيات الغربية التي أنهكتها الانتخابات أيضا. فمن المفارقة أن فرنسا التي يعرف عن شعبها الاستقطاب السياسي لدرجة تجعل حكمه شديد الصعوبة سيمنح رئيسها صلاحيات مطلقة، في الوقت الذي تنتقل فيه بريطانيا التي لطالما كانت حكوماتها قوية ومستقرة تتجه نحو مرحلة من اختلال التوازن بعد غياب الأغلبية في البرلمان الجديد.
وقد تبدو الديمقراطية الفرنسية بحال أفضل للوهلة الأولى، ولكن على عكس نظرائهم البريطانيين، لم يفرض الناخبون الفرنسيون أي شكل من الرقابة على نوابهم المنتخبين من حركة الرئيس، ما سيقيد بشكل كبير قدرتهم على التحرك إذا لم تعجبهم سياسات ماكرون، ولا يبقى أمامهم إلا إغلاق الطرقات.
(المصدر الاساسى للمادة فرانس برس 24)
ساهم في تحسين الموقع!

شاركنا برأيك لنقدم لك أفضل خدمة!

ما تقييمك للشكل العام للموقع؟


سيء
مقبول
جيد
رائع

ما رأيك في تصنيف العناصر وطريقة الوصول للأخبار؟


سيء
مقبول
جيد
رائع

مستوى جودة الأخبار؟


سيء
مقبول
جيد
رائع

إذا كان لديك أي ملحوظات رجاء اكتبها في الصندوق التالي :



شكراً لك! أنت رائع! انتظر قليلا ريثما يتم إرسال البيانات.