بقلم : سعيد الطيب

الخرطوم 26-1-2019 ( سونا)- عند انتهاء فترة عمله بالسودان لخص السيد لي ليان خه سفير الصين لدى السودان ما شعر به خلال اقامته وقيادة دفة الدبلوماسية الصينية في السودان بقوله: "خلال 4 سنوات من العيش في دولة السودان الشاسعة، شعرت بحماسة وبساطة الشعب السوداني، شاهدت تطور السودان والتطور في العلاقات الصينية ـ السودانية".

 

واشار سيادته في ذات المنحى،وفقا لصحيفة الشعب الصينية في سبتمبر الماضي بان السودان  يعد أهم أهداف الاستثمارات الصينية في إفريقيا  وانه يعد الجسر الرابط بين العالم العربي والقارة الإفريقية، ولذلك فقد شجعت الصين شركاتها ذات القدرة الاستثمارية  في الاتجاه للسودان الذي يتمتع بموارد وثروات ضخمة في مختلف المجالات.

والناظر للعلاقات بين البلدين يدرك ان ما قاله السيد السفير يعبر عن العلاقات الدبلوماسية وشعبية متجذرة وصداقة  قديمة بين الصين والسودان تعود إلى منتصف القرن الماضى منذ ان اقامتا علاقات دبلوماسية في عام 1959،لتتطورالعلاقات الودية في مختلف المجالات بشكل مطرد وصحي. ويشير خبراء في العلاقات السودانية الصينية اى ان ذلك أن الفهم المتبادل والمتسق والتعاون   والدعم الدائم لبعضها البعض في القضايا والمصالح الأساسية جعلت العلاقة بين البلدين نموذجا للتعاون بين الجنوب والجنوب.

ويشيرالاقتصاديون الى ان الصين قدمت ومنذ فترة طويلة أفضل ما لديها من قدرات لاجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في السودان، وساهمت في سلسلة من المشاريع المعروفة في السودان، بما في ذلك قاعة الصداقة المشهورة وبناء المستشفيات والمدرارس الفنية واقامة الطرق والجسور وابتعاث الفرق الطبية المتخصصة في الجراحة لإعادة نور عين مرضى الكاتراكت وغيرها من مشاريع الاقتصادية والمعيشية التي تقف دليلا على تنامي التعاون بين الخرطوم وبكين منذئذَ.

ووصل زخم العلاقات بين البلدين لاحدى زرواته السامقات في عام 2015 م حين أعلن الرئيسان الصيني شي جين بينغ  والسوداني عمر البشير اقامة "شراكة استراتيجية بين البلدين" واعلنا  دخول العلاقات الثنائية مرحلة تاريخية جديدة ومن ذلك ونتيجة لهذ المواقف الرئاسية واصلت الصين الحفاظ على مكانتها كأكبر شريك تجاري للسودان وبلغ حجم التجارة بين البلدين في عام 2017 ،2.8 (اثنان فاصل ثمانية) مليار دولار أمريكي، اي ما يمثل 21% من اجمالي واردات وصادرات السودان.

 وواصل الجانبان تعاونهما المثمر في مختلف المجالات التي غطت النفط والزراعة والتعدين والانشاءات. حيث ساعد الجانب الصيني السودان في انشاء سلسلة كاملة لصناعة النفط والتنقيب عن  البترول والغاز وتطوير الحقول وانتاجهما والمواد الكيمائية والمبيعات.

وكان السودان من اول الدول التي استجاب لمبادرة " الحزام والطريق"، الصينية العملاقة واحد الدول التي وقعت اتفاقية " الحزام والطريق" مع الصين، ومن المتوقع أن يربط بناء " الحزام والطريق" باستراتيجية التنمية الوطنية، لتحقيق تنمية أكبر.

وعام اخر تلى، شهد تسارع نوعي في هذه العلاقات.  فقد وصفت ذات الصحيفة (صحيفة الشعب اليومية أونلاين) العلاقات في عام 2018 بانها "علاقات صداقة تقليدية تمتاز باستراتيجية متناسقة"، وتكامل اقتصادي قوي وتعاون براغماتي بين الجانبين  بما يخلق فرصا تاريخية جديدة. وفي هذا العام 2018 م التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ مرة أخرى ببكين بنظيره السوداني عمر البشير الذي حضر قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني الافريقي لعام 2018، لرسم خطة واضحة المعالم للعلاقات بين الصين والسودان في العصر الجديد. "ومن المتوقع أن تعزف الشراكة الاستراتيجية بين البلدين سمفونية جديدة." هكذا وصفت الصحيفة ذلك الحدث وما تتوقع ان يتمخض عنه.

فقد اشار الجانبان في اكثر من حديث لانطلاقة العلاقات السودانية الصينية (يناير 1959 ) حينما اعترف السودان بجمهورية الصين الشعبية التى بادرت فورا بفتح سفارة  لها  في الخرطوم في ذات العام بينما افتتحت الخرطوم سفارتها ببكين في 1970 م  .وتطورت العلاقات بين البلدين كما اشرنا سابقا متدرجة من علاقات سياسية واقتصادية الى ان وصلت الان مرحلة العلاقات الاستراتيجية حيث حققت ازدهارا ملحوظا في شتى المجالات السياسية والتجارية والاقتصادية والثقافية والعسكرية ،حسبما عبر عنها الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال مخاطبته لأعمال قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي سبتمبر الماضى ببكين اذ اعرب عن سعادته بمشاركة السودان في أعمال القمة مؤكدا على الشراكة الإستراتيجية بين البلدين والتي تمثل ترجمة حقيقية لمصالح الشعبين السوداني والصيني.

 

و يقول الباحث السوداني " محمد عوض الكریم محمدالشیخ علي في رسالة الدكتوراة التي اعدها بعنوان " تقويم العلاقات الإقتصادية بين السودان والصين 1990 م – 2013 "  بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في عام 2015 م "  بان الصین تعتبر شریكىا إقتصاديا وتجاريا مهما بالنسبة للسودان، حیث تطورت العلاقات بین البلدين منذ أن تم تبادل التمثیل الدبلوماسي بین الطرفین في  4 فبرایر1959، حيث حدثت طفرة كبرى في العلاقات التجاریة والإقتصادیة بین البلدین،  وقد اسهمت الصین  في إقامة عدد من المشروعات التنمویة المهمة بالسودان.

 

ويقول د. عوض الكریم  ان التعاون الصیني السوداني  حقق  في مجال  البترول  نقلة  نوعیة  في  العلاقات  الإقتصادیة  بین البلدین جعلتها علاقات ذات بُعد إستراتیجي حیث إرتبطت بمصالح حیویة وذات أفق مستقبلی. ويضيف "قد أثمرت هذه العلاقات في المجال النفطي، حتى أصبح السودان من ضمن منظومة الدول المنتجة والمصدرة للنفط في العالم.

 

ویعتبر التبادل التجاري بین البلدین أحد المرتكزات المهمة للعلاقات الإقتصادیة بین السودان والصین،حیث تتصدر الصین قائمة دول العالم الأخرى، كما أنها تأتى في مقدمة الدول الآسیویة والعربیة والأوربیة والولایات المتحدة من حیث حجم الصادرات والواردات إلى السودان، مما شكل فائض في المیزان التجاري  لصالح السودان  في معظم الأعوام من  2001 – 2010 م "

 

و يؤكد "ولم تقتصر العلاقات الإقتصادیة بین البلدین على الاستثمارات النفطیة والتجارة بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بعد ولوج هذه العلاقات مجال الإنشاءات والصناعة والزراعة وخلافه، مما یعني أن هذه العلاقات تتطورإیجابیاً لتسهم في التنمیة الإقتصادیة بالبلاد.

 

ومن خلال ماذكرنا؛یمكن القول أن العلاقات الإقتصادیة بین السودان والصین تعتبرأحد النماذج الإیجابیة للتعاون الاقتصادي الدولي،حیث تتوافرلدى البلدين مقومات الشراكة الفاعلة ،فالسودان غني بالموارد الاقتصادیة، والصین تحتاج إلى هذه الموارد لدفع عجلة الاقتصاد المتسارع والمتنامي"

 

ولقد كانت انطلاقة  مسيرة العلاقات السودانية الصينية التى بلغت اليوم ستين عاما مستلهمة روح مبادئ مؤتمر باندونق وهي المبادئ  التي حكمت علاقاتهما فيما بعد والتي ترسخت لتصبح المبادئ الخمسة للتعايش السلمي بين الدول وهي: -

عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول اللاخرى

احترام سيادة الدول والمساواة

حل الخلافات بالوسائل السلمية

المنافع المتبادلة

وظلت هذه المبادئ تحكم العلاقة بينهما الي يومنا هذا. لذلك ظلت العلاقة مستقرة وإيجابية تتطور بمرور الزمن ولم يحدث قطعها أو إبطاؤها من أي جانب.

 

وتاريخيا كان من ابرزمعالم العلاقات بين البلدين فى عقدى الخمسينات والستينات فى القرن الماضى  الزيارة  التي قام بها رئيس مجلس الدولة الصينى رئس الوزراء شو أن لأي للسودان في العام 1964م وزيارة الرئيس السوداني الفريق ابراهيم عبود للصين فى نفس العام .

 

اما فى عقد السبعينات فقد مثلت زيارة الرئيس الراحل المشير جعفر نميرى للصين في العام 1970 علامة فارقة بافتتاح السفارة والتوقيع على اتفاقية التعاون الثقافي والعلمي والصحي بين البلدين والتي لاتزال سارية المفعول كما كان للسودان دور بارز في استعادة الصين لمقعدها بمجلس الأمن في العام 1971 كما زار الرئيس نميرى الصين في عامي 1977 و1984 وشهدت الزيارتان تحقيق المزيد من الدفع والتقدم للعلاقات بين البلدين .

 

فى عقد الثمانينات زار رئيس الوزراء السابق السيد الصادق المهدي بكين في عام 1987  الا ان  الفترة من منتصف عقد تسعينات القرن الماضي وحتي بداية القرن الحالي هي التي شهدت سنام التطور والطفرة الاكبر في العلاقات بين البلدين بدخول الصين مستثمرا رئيسا في مشروع النفط السوداني وقيام اللجنة الوزارية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والفني وتوقيع عدد من الاتفاقيات أهمها اتفاقية تشجيع الاستثمار واتفاقية منع الازدواج الضريبي واتفاقية انشاء لجنة التشاور السياسي بين وزارتي الخارجية في البلدين واتفاقية إعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية والرسمية والخاصة من تأشيرات الدخول اما فى عقد التسعينات وهي ذات الفترة التي شهدت زيارات عديدة لرئيس الجمهورية المشير عمر البشير للصين في الأعوام 1990-1995م – 2006-2011- 2018 كما زار السودان الرئيس الصيني هو جينتاو في العام 2007 .

 

وانعكس هذا الزخم على المجالات الاقتصادية و خاصة الاستثمارية  اذ ساهمت الاستثمارات الصينية في التنمية الاقتصادية بالبلاد، فهناك  126 شركة صينية استثمارية تعمل بجملة  استثمارات بلغت 15 مليار دولار في كل المجالات، وقد دخلت الصين بوابة الاستثمار في البلاد من بوابة قطاع النفط، ففي العام 1970 حمل الرئيس الراحل  المشيرنميري ملف التعاون في قطاع النفط إلى الصين خلال زيارته الأولى لها في ذلك العام، وقد  ظل قطاع الطاقة والنفط القطاع الأكثر جذبًا للاستثمارات الصينية، وقد تجاوزت استثمارات النفط وحدها  اكثر من  14 ملياردولار، وهو ما ساهم في تطوير قطاع الصناعة النفطية في السودان، و كمثال لهذا التطور يقدر الخبراء بان الصين تمتلك 40% من امتياز شركة «قريتر نايل للبترول» و100% من «بترو إنيرجي».

 

و كما اشارت الصحيفة الصينية فانه مما لا شك  فيه بأن الصين ترى في السودان واحد من أبرز الدول الإفريقية الواعدة استثماريًا؛ لما لديه من فرص جاذبة في قطاعات اقتصادية هامة، مثل التنقيب عن النفط والثروة الحيوانية والزراعية، فضلا على انه يُعد مدخلًا لإفريقيا من ناحية الشمال، إضافة إلى أن السودان يعد سوقًا كبيرة للسلع الصينية؛

 

اما المشروعات الاخرى التى اسهمت فيها الصين فتشمل كامثلة و ليس حصرا مطار الخرطوم وطريق أمدرمان بارا وسكر تمبول وسكر النيل الأزرق بينما وعدت إدارة بنك التنمية الصيني بالنظر في تمويل مشروع مصفاة بورتسودان.

 

وشهد مجال التعاون الزراعي قفزات قوية بعد قيام الدورة الثانية لملتقى التعاون الزراعي بين البلدين وعقد اجتماعات اللجنة الفنية للتعاون الزراعي حيث أعلنت كبريات الشركات الصينية العاملة في مجالات الزراعة والإنتاج الحيواني رغبتها في الاستثمار في السودان .

 

و لان السياسة صنو الاقتصاد و حاديه فقد وقع حزب المؤتمر الوطني السوداني اتفاقية تعاون مع الحزب الشيوعي الصيني في العام 2003  حيث ظل الحزبان يتبادلان الزيارات التي كان لها دور بارز في تعزيز العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات.

 

وفي المجال الثقافي والعلمي والصحي وبرامج التوامة لاتزال تحكمها اتفاقية التعاون الثقافي والعلمي الموقعة فى العام 1970 حيث يتمتع اتحاد نقابات عمال السودان بعلاقات تعاون وتنسيق ممتازة مع أتحاد عام نقابات عموم الصين ويتبادلان الزيارات ولهما تنسيق قوي عبر الاتحاد العالمي للنقابات والتجمعات النقابية

 

ولقد شكلت الزيارات المستمرة التي يقوم بها المبعوث الصيني للشؤون الأفريقية للسودان وآخرها فى 2016 للمشاركة في اجتماعات لجنة المراقبة والتقييم لاتفاق جنوب السودان ولقاءاته بالمسؤولين دعما قويا للعلاقات بين البلدين وساهمت في شرح مواقف السودان تجاه علاقاته مع جمهورية جنوب السودان كما أسهمت زيارة وزير الخارجية للصين في 2014 وزيارة وزير الخارجية الصيني للسودان 2015 في إعادة الزخم للعلاقات .

 

وتعد زيارة رئيس الجمهورية للصين في سبتمبر 2015 من التطورات المهمة في علاقات البلدين حيث تم التوقيع بين الرئيسين علي اتفاقية للشراكة الاستراتيجية بين البلدين كما أصدر رئيس الجمهورية قرارا في يناير 2016 تم بموجبه تعديل عضوية اللجنة العليا للإشراف على ملف العلاقات السودانية الصينية حيث تم ترفيع منصب الدكتور عوض الجاز من مقرر للجنة الي نائب رئيس للجنة بدرجة مساعد رئيس الجمهورية حيث قام بزيارة للصين في نهاية يوليو 2016 تم خلالها التوقيع على اتفاقية الطاقة الإنتاجية وشارك السودان في قمة منتدي التعاون الصيني والتي عقدت بجوهانسيببرج في أكتوبر 2015 بوفد بقيادة النائب الأول لرئيس الجمهورية

 

كما شارك السودان في المجلس الوزاري لمنتدي التعاون الصيني العربي الذي عقد بمدينة الدوحة – قطر-  في مايو 2016 بوفد برئاسة وزير الخارجية بروفيسور ابراهيم غندور، كما عقدت جلسة التشاور السياسي بين البلدين في مايو 2016، وشاركت الصين في أعمال الجلسة الختامية لمؤتمر الحوارالوطني في أكتوبر 2016 بوفد برئاسة السيد لي تشنغ وين المبعوث الصيني للشؤون العربية.

 

وفى اغسطس 2018م شارك الرئيس عمر في قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي تحت شعار "التعاون المربح للجانبين... التكاتف لبناء مجتمع أقرب لمستقبل مشترك للصين وأفريقيا" بحضور قادة وزعماء 51 دولة أفريقية.

وعقد الجانبان اجتماعات في بكين لبحث الترتيبات المالية والفنية لتوسعة مصفاة الخرطوم لتكرير النفط، وهي اكبر مصفاة  لتكرير البترول بالبلاد حيث اقامت وزارة الطاقة والتعدين ممثلة للسودان والشركة الوطنية الصينية للبترول،ممثلة للصين،مصفاة الخرطوم كشراكة بنسبة 50% لكل منهما وهي تقع على بعد 70 كلم شمالي وسط الخرطوم وذلك لانتاج المزيد من المشتقات النفطية كماً ونوعا لتقف شاهدا على التعاون المثمر بين الجانبين. يشار إلى أنه تم تشغيل مصفاة الخرطوم للإنتاج التجاري بصورة متكاملة في مايو 2000 بطاقة 50 ألف برميل في اليوم لتكرير خام مزيج النيل، وطبقا للخط يتوقع توسعتها لإنتاج نحو 200 ألف برميل يوميا.

ولا يعتبر التعاون بين السودان والصين في مجال النفط حديثاً  فقد امتد التعاون بينهما في منتصف التسعينيات، وذلك بفضل الجهود المشتركة التي جعلت السودان يتحول من مستورد للنفط إلى منتج ومصدر له في فترة وجيزة، وكذلك  فالتنمية السريعة في القطاع النفطي أدت إلى تحفيز النمو الكلي للاقتصاد السوداني ورفع العلاقات التجارية والاقتصادية لمستوى جيد.

محمد عثمان/محمد عثمان

 

 

أخبار ذات صلة