جوبا 10-10-2020 (سونا) -كان السلام أولى شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، وبوعي الثورة إعتلى السلام موضعه في الأولويات كقيمة، وفي الواقع كضرورة  لتحقق الثورة بقية شعاراتها ، وليصل الشعب بثورته إلي غاياتها.

دعم المجتمع الإقليمي والدولي منبر جوبا لرعاية واستضافة مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية وحركات الكفاح المسلح، وواجهت مفاوضات السلام تحديات كبيرة ولكن رغبة الأطراف وإصرار وساطة دولة جنوب السودان لعبت دورا مهما في تحقيق السلام، تحت قيادة المستشار الأمني لرئيس دولة الجنوب، وكان مقررها ومتحدثها الرسمي، الدكتور ضيو مطوك، وزير الإستثمار في جنوب السودان.

الدكتور مطوك اكاديمي واستاذ سابق في جامعة جوبا، التقته وكالة السودان للأنباء بمقرر الوساطة واجرت معه حوارا حول ما تم من اتفاق سلام بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية .

 

حوار: طارق عبدالله   سونا: بعد الموافقة علي رعاية رئيس دولة الجنوب لمنبر جوبا لمفاوضات سلام السودان الشامل،  بدأ واضحا أن الأمر معقد وتعتريه كثير من التحديات والعقبات، كيف تعاملتم مع كل ذلك؟

 

مطوك : نعم، في الحقيقة كانت التحديات والعقبات كثيرة جدا، وكان من الضروري تبني منهج للتغلب على ذلك، وكان خيارنا اللجوء لمنهج المسارات. وهو منهج جديد لم يكن مطروقا في مجال مدارس المفاوضات. ولحسن الحظ ان تخصصي الأكاديمي والمهني يقع ضمنه مدرسة المسارات في التفاوض. وكان الغرض معالجة قضايا عدة مناطق والهدف الوصول إلى سلام واحد يسهل تنفيذه في السودان. ولقد وفقنا في وضع النهج الذي يحقق ذلك، وسرنا وفقه حتى النهاية. ثم كان من التحديات إنتشار جائحة الكورونا، لقد هددت الكورنا المحادثات كلها، وكانت الخيارات أن نترك أمر المحادثات كله ، وان تعود الحركات إلي مناطقها، أو أن نخاطر، رغم الجائحة ونستمر في عملية محادثات السلام. وكان المضي في ذلك للرئيس الفريق سلفاكير ميارديت، والذي قرر السير ومواصلة عملية التفلوض، وفي ذات الوقت ، القيام بإدارة عملية مكافحة وباء الكورونا، وشكل فريقين للقيام بذلك .  ومن التحديات أيضا رجوع وفد التفاوض السوداني إلى الخرطوم بعد وفاة الراحل، وزير الدفاع وصار من الصعب عودة فريق التفاوض السوداني إلي جوبا. وجاء الحل بمساعدة الأمم المتحدة والتي عملت على توفير التواصل بين المتفاوضين عن طريق الفيديو كونفرنس، وتمكنا من مواصلة الحوار ووفقنا في الوصول إلى حلول لكثير من القضايا. وكانت تلك التجربة هي الأولى من نوعها حيث يتم التحاور للوصول إلى حلول وإتفاق في قضايا دقيقة. وكانت التجربة ناجحة جدا، وفريدة، ولم يتم من قبل الحوار والوصول إلى حلول في قضايا سلام وحرب مع حركات مسلحة. ويحسب نجاح التجربة لمنبر سلام السودان في  جوبا وهذا النجاح مفخرة أيضا لدولة جنوب السودان. كان هناك تحد آخر، فقد واجهنا أثناء المفاوضات الإنقسام الذي حدث في الجبهة الثورية، والتي بدأت التفاوض كمجموعة واحدة، ورغم تعدد المسارات ، كان يجمعهم كيان سياسي واحد، وانقسامهم أثناء المحادثات سبب كثير من المشاكل الكبيرة. حتي أن جمعهم في قاعة واحدة كان يعد مشكلة بالنسبة للوساطة. والتحدي الرابع ، أن قيادات هذه المجموعات كانت تتبني ايدولوجيات مختلفة مما تطلب عقد حورات جادة بينهم مباشرة، وقد إستغرق تحاور الوساطة  معهم أكثر مما استغرقه حوارهم مع وفد التفاوض الحكومي، وكان ذلك من التحديات الكبيرة التي واجهت الوساطة. وهنالك العديد من التحديات التي نعتبرها صغيرة بالنسبة للتحديات التي ذكرت، وبلا شك سيتم عرضها في كتب ستؤلف عن التفاوض في هذا المنبر الكبير، منبر سلام جوبا.  

سونا : لقد سبق أن ابديتم ملاحظة أعتبرت سالبة في حق الإعلام، فكيف ترون مستوى أداء ودور الإعلام في المحادثات التي دارت في منبر جوبا؟  

مطوك: في الحقيقة كان الإعلام منقسما، فجزء من الإعلام والذي تمكن من زيارة العاصمة جوبا، وتابع ما يجري في المحادثات عن قرب، كان دوره ايجابيا، أم الجزء الآخر ، والذي كان يعبر عن مواقفه من العاصمة الخرطوم كان دوره سلبيا جدا.  وذلك أيضا أمر جديد في مسار المفاوضات، بمصاحبة الحركات المسلحة  المفاوضة في جوبا إلي العاصمة الخرطوم، وأثناء ذلك وضحت صورة دور الإعلام التي ذكرتها. ووجدنا في الخرطوم عمل إعلامي سالب تجاه المفاوضات وعملية السلام كلها. وكان علينا القيام بعمل في هذا الخصوص، وتواصلنا مع الإعلام لتوضيح كل الجوانب التي خفيت عليهم. فقد اسرف الإعلام في توصيف الحركات المسلحة المشاركة في المفاوضات من ناحية حجمها وقدراتها، ولم يفكر الإعلام في طرح السؤال الصحيح، وهو ، لماذا قبلت هذه الحركات بالسلام في هذه المفاوضات وفي هذه المرحلة بالتحديد؟    وهناك أمر آخر، فقد اهتم الإعلام بشكل كبير بعرض وتضخيم الخروقات التي حدثت وتحدث لوقف إطلاق النار أثناء المفاوضات، وهو أمر متوقع والطبيعي، خاصة في المفاوضات في ظروف الحرب، ولقد مررنا بتلك التجربة أثناء المفاوضات ، مثالا لذلك أثناء مفاوضات نيفاشا واحد وأثنين،  فقد استمر المفاوضات والحرب دائرة. كان من الواجب بالنسبة للإعلام الإهتمام بالقضايا الكبرى، فهذه البلاد التي نجحت ثورتها وتسعى إلى التغيير وتحقيق تطلعات الشعب، والإهتمام بالواجبات اللازمة لإنجاح الفترة الأنتقالية ، خاصة وأنها قد وضعت السلام في أولي أولوياتها، كان الهم بذلك واجب الإعلام. إلا أن ما قمنا به من مصاحبة الحركات المسلحة إلي الخرطوم، والتحاور مع الحكومة في الداخل، وما قمنا به من تواصل مع مختلف قطاعات الإعلام، فقد تواصلنا مع وكالة السودان للأنباء، ومركز طيبة برس، ومعظم القنوات الفضائية، وأوصلنا من خلالهم صورة السلام التى نعمل عليها، وكانت النتيجة أن خط الإعلام توحد تجاه السلام. هذا الخط الموحد للإعلام من أجل السلام هو ما نرجو أن يلتزم به الإعلام لاقناع الأطراف التي لم تنضم حتي الآن في السلام، بتشجيعهم وإقناعهم بالإنضمام إلى مسيرة السلام وليس العكس.

 

سونا: دكتور مطوك: الترتيبات الأمنية لطالما كانت أكثر القضايا تعقيدا في مثل هذه المفاوضات، ولكنكم تمكنتم في وقت وجيز من إحداث إختراق فيها، مما أثار الدهشة بالوصول إلى إتفاقات حوله، ما الذي حدث؟ 

 

مطوك : الشيء المهم في كل هذه العملية أن طرفي التفاوض كانوا يرون بعضهم شركاء في الثورة، ويرون انفسهم كلهم كقوى إعلان الحرية والتغيير، فالحركات المسلحة حملت السلاح ضد النظام  في نضالها، والمناضلين ضد النظام من الداخل مارسو النضال السلمي والمدني، ولكنهم يتفقون في سعيهم لهدف واحد، وهو إسقاط النظام، ثم بعد زوال النظام السابق إضطرت الحركات المسلحة للبقاء في االخارج لمواجهة إلتزاماتها التكوينية، فهذه الحركات لديها قوى وجيوش مما يستلزم الكثير من الترتيبات، ولم يكن إختلاف في الإساس حول الترتيبات وضرورتها، ونحن كوسطاء، نؤكد أننا لم نتدخل أبدا في أي مرحلة من مراحل التفاوض أو أن نقوم بإملاء او فرض مواقف على اطراف التفاوض. وكان منهجنا الذي إلتزمنا به طوال سير المفاوضات هو الحوار، وكل أوراق هذه الأتفاقات والتي تزيد على الثلاثمائة صفحة، كلها سودانية خالصة ، ليس فيها ولا تدخل خارجي واحد، فهي إتفاقية سودانية خالصة   كل ما قمنا به خلال المفاوضات هو تسهيل وتيسير التفاوض بين الأطراف، ولم ننحاز خلال مسيرة التفاوض لطرف من الأطراف، وكان الإتفاق هو المبدأ   

سونا: فيما يتعلق بالإتفاق ورفده للعلاقات بين السودان وجنوب السودان، وخاصة أن الإتفاق أحدث انتقال معنوي كبير بين شعبي البلدين، وعلى المستوي الرسمي هل نتوقع نقلة كبرى في العلاقات؟  

مطوك:-  اتفق تماما حول ما قلته عن الإنتقال المعنوي، والآن هناك فرصة قد فتحت فعلا، ليس بالنسبة لسلام جنوب السودان في السودان فقط، بل أيضا بالنسبة لسلام السودان في جنوب السودان ، وكانت هذه العملية قد بدأت من الخرطوم، ثم جاءت جوبا لتلعب نفس الدور من أجل السلام في السودان. ولقد رأينا ما حدث من تجاذب ومشاحنات، ومهاترات بعد الانفصال، ونرى أن ذلك أمر طبيعي، فقد كانت توقعات السياسيون في الحين ان تؤدي نتيجة الإستفتاء  إلي الوحدة، وبعد ظهور النتيجة في صالح الإنفصال حدث إحباط كبير للسياسيين، مما قاد إلى الإنفعال، وإغلاق الحدود، ولقد سمعنا بعض المسؤولين يصرحون بعدم السماح للمرور  حتي لقطرة من محلول البنسلين الى جنوب السودان، وكان ذلك ردة فعل تجاه الإنفصال، وهو كما يبدو أمر طبيعي بعد مخالفة النتيجة المتوقعة، والآن، كلا  السلامين، سلام جنوب السودان، وسلام السودان احيوا مناخ جديد، وأحدث تقاربا كبيرا بين القيادات في كلا البلدين، وهو ما نريده ويجب إستغلاله لأقصى حد. ونحن متأكدون تماما على إنعدام أي مشكلات على الصعيد الشعبي، وربما عكس ذلك تماما، إلا أنه على الصعيد الرسمي فهناك الكثير من العمل لإزالة الكثير من العقبات في وجه التضامن.  ومن الواضح ان رئيسي البلدين  يسيرون على هذا الطريق، ويجب دعمهم والوقوف من خلفهم ليكون هنالك تطبيع حقيقي بين السودان وجنوب السودان. ولقد لاحظنا تقدم وسط افريقيا عن منطقة الايقاد، فقد توصلوا إلى توحيد عملتهم، وتم فتح الحدود بين  بلدان المنطقة، وصار السفر بينها بالبطاقة الشخصية، وليس هنالك ما يمنع من حدوث ذلك بين دولتين مثل السودان وجنوب السودان يتشاركان الحدود على مسافات طويلة مشتركة، وشعوب ومجتمعات متداخلة ، خاصة المجتمعات الرعوية في البلدين. كما أن أقليم البلدين غني جدا بالموارد، وإذا توفر الإستقرار في المنطقة لن يحتاجا إلى إي دعم خارجي . ويمكن إستغلال موارد المنطقة لمصلحة البلدين وهذا هو الإتجاه الذي سنسير فيه. وأنا كوزير للإستثمار، هذا هو الخط الذي ساسير عليه، وسيكون دوري الأكبر كمسؤول للإستثمار في إطار العلاقة التي يجب أن تكون  عليها علاقة البلدي  

سونا: هل يتوقع دكتور ماطوك زيادة الإستثمارات بين البلدين بعد التوقيع النهائي علي إتفاق السلام الشامل؟  

مطوك: في الحقيقة ، كانت هناك بعض المشاكل فيما يتصل  بالمعابر،  والدولتان تعملان بجدية لحلها، وفي حديث  مع وزير رئاسة  مجلس الوزراء تم الإتفاق علي عقد إجتماع في 22 من شهر اكتوبر الجاري بالعاصمة جوبا، بين الطرفين للعمل علي إحياء الإتفاقات التسعة الموقعة بين الدولتين في 2012،  والتي لم تتمكن من تنفيذها بسبب الحرب وبعض الإشكالات، ويجري العمل الآن علي إحيائها، ومن بينها إتفاقيات تجارية هامة لكلا البلدين.

 

أخبار ذات صلة